البحر الأحمر وسواكن
كان البجاوي يرمق سواحله على البحر الأحمر بكثير من الشك والتهيب. ولعلهم الشعب الوحيد في التاريخ الذي سكن على شواطئ البحار ولم يشتغل بالملاحة والتجارة، أو يهتم بالتجارة بين بلدان العالم القديم. فسواحل السودان الشرقي لم يخرج منها ملاحون يجوبون الأقطار الأخرى، ولكنها كانت تستقبل رواد التجارة بموانئها دون أن يكون لهؤلاء التجار نفوذ على داخلية البلاد. فلم يبن البجة مراكب تجارية تجوب عرض البحر كما كانت الأمم التي عاصرتهم تفعل كالمصريين أو السبئيين أو الحميريين أو البطالسة والرومان. كلا، فالبحر وأمواجه لم يستهو البجاوي مطلقاً. بل إن ما في جوف البحر من حوت ولآلئ لم يغر البجة لخوضه في سبيل الطعام والغنى، فهم اكتفوا بسفينة الصحراء واستعاضوا عن المراكب بالجمال، وعن لآلئ البحر بالأحجار من عقيق وغيره مما قد يجدونه في أرضهم، وعاشوا أمة برية طيلة حياتهم.
وهكذا نشأت هذه الميناء التي كانت أهم ثغر على البحر الأحمر منذ فجر التاريخ حتى نهاية القرن التاسع عشر للميلاد.
إن المنفذ الوحيد إلى أجزاء كثيرة من أفريقيا كان في موانئ السودان الشرقي، وخاصة في مينائه العتيق التاريخي، سواكن. فقد كانت سواكن تخدم كل أجزاء السودان الحديث، بل ومنها تمضي القوافل إلى أواسط أفريقيا وإلى غربها في عصور التاريخ المختلفة. ففي عصور الفراعنة كانت البهارات والأبنوس والفهود والأسود والقرود والعاج من أهم ما تتطلبه المدنية الفرعونية؛ لذلك صارت سواكن ميناء لها أهميتها الخاصة. وكذلك كان الأمر فيما تلا ذلك من عصور. وعندما انتشر الإسلام في أفريقيا ووصل إلى غربها أصبحت سواكن ذات مكانة خاصة في نقل الحجاج بين ضفتي البحر الأحمر.
ومع هذه المدينة نمت مدن أخرى في السودان الشرقي، وكانت لكل منها أهميتها الخاصة في حقبة أو حقب من تاريخ الجنس البشري. فتاريخ سواكن جزء مهم من تاريخ السودان الشرقي، إن لم يكن أهم الأجزاء على الإطلاق. فسواكن مدينة التقت فيها عدة حضارات عن طريق التجارة وأسهمت في بث تلك المدنيات إلى كثير من أجزاء السودان.